Skip to main content Scroll Top
مشروع قانون الأسرة المادة (٣١ )
news-cover

استمراراً لدراسة بعض أحكام نصوص مشروع قانون الأسرة الجديد، وإن كان معروضاً الآن على مجلس النواب للمراجعة، إلا أنه يلزم التعرض لآثار بعض النصوص التي قد تكون لها آثار سلبية مستقبلية مع التطبيق الفعلي. وبمرور الزمن سوف نواجه آثار وتبعات العمل بتلك النصوص.

وأيضاً، ومن قبيل الخبرة لسنوات طويلة في العمل القانوني والمحاماة في دول عربية، وما أجريناه من دراسات وأبحاث لقوانين عربية، يمكن أن نتنبأ من الآن بآثار تطبيق تلك النصوص. وما يمليه عليَّ الضمير الإنساني والمهني يوجب لفت الانتباه لحماية بلدنا وأبنائنا مستقبلاً.

وبعد سنوات من التطبيق، قد لا أكون على قيد الحياة، ولكن كلمة الحق لابد أن تُقال، عسى أن تجد من يقرأها أو يعمل بها.

ومن النصوص التي استوقفتني ولزم التعليق عليها ما جاء بنص المادة (31) من مشروع هذا القانون، حيث جاء نصها

“يجب على كل مقبل على الزواج، وقبل توثيق العقد، أن يقدم لمن انتوى الزواج بها وثيقة تأمين تضمن لها الحصول على مبلغ مالي أو نفقة شهرية محددة المدة حال حدوث الطلاق بائناً أو التطليق بحكم نهائي، ويصدر بتنظيم إصدارها وفئاتها وقواعد استحقاقها قرار من وزير العدل بالتنسيق مع شركات التأمين المختصة، وعلى المأذون والموثق وقبل توثيق العقد الاستعلام عن إصدار الوثيقة من عدمه وإثبات ذلك بملحق عقد الزواج، ويحق للزوج استرداد قيمة الوثيقة إذا كان الطلاق على الإبراء أو التطليق خلعاً أو حال الحكم بإسقاط حقوقها المالية. وفي حالة انتهاء الزواج بوفاة الزوج، تستحق الزوجة قيمة الوثيقة، وفي حالة انتهائه بوفاتها، يستحق ورثتها قيمة الوثيقة.”

أرى أن تطبيق هذا النص، بما جاء في ظاهره وصيغته الحالية، سوف يؤدي إلى عزوف الشباب عن الزواج.

فإذا أحس الشاب بكم هائل من الطلبات والقيود القانونية، فلا شك أنه سوف يعزف عن الزواج من الفتاة المصرية، وقد يتجه إلى الزواج بجنسيات أخرى.

وهنا تكمن الكارثة الكبرى.

فبعد عشرين عاماً من تاريخ التطبيق الفعلي للقانون، قد نجد جيلاً من الشباب في عمر العشرين عاماً لا يملك الانتماء الكامل لبلده مصر، لأنه ليس مصرياً مائة في المائة، وقد يكون ولاؤه دائماً لبلد أمه الأجنبية التي تربى على ثقافتها، أو على الأقل لن يكون ولاؤه وحبه لوطنه كما ينبغي.

بالإضافة إلى ذلك، قد نفقد الهوية المصرية نتيجة اختلاطها بشعوب أخرى، وتصبح مصر مثل بعض الدول الأجنبية خليطاً من جنسيات عديدة، لا طابع محدداً لها، ولا هوية موحدة، ولا انتماء جامع.

وهذا – من وجهة نظري – هو المخطط له مسبقاً، والذي يمتد أثره لاستهداف الشعب المصري في العمق، ولن يكون القضاء على الهوية الوطنية المصرية إلا من خلال تفكيك نسيج المجتمع المصري من الداخل، بدءاً من الأسرة.

إن وثيقة التأمين التي يتطلبها هذا النص لصالح الزوجة أو من ينوي الزواج بها، ليس لها – في تقديري – معنى أو مقصد إلا كونها عبئاً إضافياً على عاتق الشاب المقبل على الزواج.

لذلك، يجب أن يكون أمر هذه الوثيقة اختيارياً، وألا يحمل صفة الوجوب.

فالزوج شرعاً هو الملتزم بإعداد وتجهيز منزل الزوجية، كما تجب عليه نفقة زوجته، وتوفير معيشة كريمة لها ولأبنائه.

وعادةً، فإن الشاب العادي – وليس الشاب الرأسمالي أو المنتمي إلى عائلة ثرية – ينفق كل ما لديه لإعداد منزل الزوجية والإنفاق على أسرته، بل وفي كثير من الأحيان يضطر إلى الاستدانة.

وبمجرد إتمام عقد الزواج وانتقال الزوجة إلى بيت الزوجية، يصبح من حقها المطالبة بنفقة الزوجية، وإذا امتنع الزوج عن الإنفاق، فإنه يلتزم بسداد كامل النفقة بأثر رجعي عن جميع المبالغ المتراكمة عليه.

فإذا طُلب منه فوق ذلك عمل وثيقة تأمين لصالح زوجة المستقبل، فمن المؤكد أن هذه الوثيقة سوف تتفاوت في قيمتها، وقد تتحول إلى مظهر من مظاهر التفاخر الاجتماعي بين الأزواج والعائلات، مثلها مثل “الشبكة”.

بل قد يطالب كل أب بوثيقة ذات قيمة مرتفعة ضماناً لحقوق ابنته.

وإذا كانت هذه الوثيقة واجبة، فماذا عن مؤخر الصداق؟

هل تحل هذه الوثيقة محل مؤخر الصداق؟

أم سيكون هناك جمع بين مؤخر الصداق ووثيقة التأمين؟

وهل ستظل هذه الوثيقة سارية، ويتم تجديدها من قبل الزوج طوال استمرار العلاقة الزوجية؟

وماذا لو تدهورت الحالة المادية للزوج، ولم يعد قادراً على سداد قيمة الوثيقة سنوياً؟

فما هو الموقف القانوني في هذه الحالة؟

هل تنتهي الوثيقة وتفقد الزوجة حقها؟

وما هو المسوغ القانوني لإنشاء هذه الوثيقة من الأساس؟

أرى أنه إذا كانت هناك ضرورة – من وجهة نظر المشرع – لوجود هذه الوثيقة، فيجب تعديل النص بحيث تكون اختيارية، ولا تحمل صفة الوجوب، وأن تكون باتفاق ورضا الطرفين.

كما يمكن النص على الإعفاء منها، أو تأجيلها إلى ما بعد الزواج، مع تحديد مدة زمنية لذلك، تخفيفاً عن كاهل الزوج قبل الزواج، وحتى لا يُحمَّل فوق طاقته.

أو يمكن أن تكون مستحقة عند وقوع الطلاق فقط، بحيث تُنفق منها المطلقة على نفسها ضماناً لحياة كريمة، خاصة إذا كان الطلاق بإرادة الزوج، فتُعد نوعاً من التعويض عن الأثر النفسي الناتج عن الطلاق.

كما يمكن أن ترتفع قيمة الوثيقة إذا وقع الطلاق بعد سنوات طويلة من الزواج، وفي عمر متقدم للزوجة.

وأتمنى على المشرع أن يعيد النظر في هذا النص.

لزيارة المصدر الأصلي للخبر
جريدة الجمهورية – اضغط هنا.
تاريخ النشر:  الثلاثاء 14 يوليو 2026